في الجلسة المغلقة لقادة مجموعة البريكس في نيودلهي؛ الرئيس بزشكيان: نحن بحاجة إلى إصلاح حقيقي للآليات الدولية
أكد رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية "مسعود بزشكيان" ان "الحوكمة العالمية الشاملة وتعزيز التعددية" يحظيان اليوم بأهمية مضاعفة، مشددا على ضرورة إصلاح حقيقي للآليات الدولية، ومتسائلا عن شرعية نظام متعدد الأطراف يعجز عن حماية أرواح البشر وسيادة الدول أمام الحرب والإبادة الجماعية والعدوان.
وجاء ذلك في كلمة للرئيس بزشكيان امام الجلسة المغلقة لقادة الدول الاعضاء في مجموعة "البريكس" في العاصمة الهندية نيودلهي اليوم السبت، حيث قال ان مصداقية أي نظام حوكمة تتوقف على قدرته على حماية حقوق جميع الدول، الصغيرة منها والكبيرة، وإذا لم يتمكن ميثاق الأمم المتحدة من حماية الشعوب أمام اللجوء غير القانوني إلى القوة، وإذا كانت القواعد الدولية ملزمة لبعضهم وقابلة للتفسير لبعضهم الآخر، فلا يمكن الحديث عن تعددية حقيقية.
وفيما يلي النص الكامل لكلمة رئيس الجمهورية:
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس؛
أصحاب السعادة رؤساء الدول؛
سيداتي وسادتي؛
يسرّني أن أكون بينكم في الدورة الثامنة عشرة لقمة بريكس في نيودلهي. وأتقدم بخالص الشكر لحكومة الهند ورئيس وزرائها المحترم على الاستضافة اللائقة لهذه القمة وعلى الجهود المبذولة لتعزيز تعاون البريكس.
إن موضوع هذه القمة، أي "الحوكمة العالمية الشاملة وتعزيز التعددية"، يحظى اليوم بأهمية مضاعفة. نحن نواجه اليوم تناقضاً جوهرياً. فمن جهة، ازداد الترابط المتبادل بين الدول أمام الأزمات المشتركة أكثر من أي وقت مضى، لكننا من جهة أخرى نشهد في الوقت نفسه عودة الأحادية، والضغط، وتسخير الأنظمة المالية والتقنية كأدوات. وهذا المسار ليس تحدياً سياسياً فحسب، بل يُضعف أسس الحوكمة العالمية.
أصحاب المعالي؛
إن مصداقية أي نظام حوكمة تتوقف على قدرته على حماية حقوق جميع الدول، الصغيرة منها والكبيرة. وإذا لم يتمكن ميثاق الأمم المتحدة من حماية الشعوب أمام اللجوء غير القانوني إلى القوة، وإذا كانت القواعد الدولية ملزمة لبعضهم وقابلة للتفسير لبعضهم الآخر، فلا يمكن الحديث عن تعددية حقيقية.
لقد اختبرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه الحقيقة عمليا. فقد أودى العدوان العسكري الصهيو-امريكي على إيران بأرواح أبرياء، وألحق أضراراً بالبنى التحتية الحيوية والاقتصادية والمدنية في البلاد. حيث استشهد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية و168 طفلاً بريئاً في مدرسة ميناب( جنوب البلاد)، على يد أمريكا والكيان المحتل، في اليوم الأول فقط من هذه الحرب التي استمرت أربعين يوماً. وقد أظهر الهجوم على مدرسة ميناب والملعب الرياضي في لامِرد ( فارس/ جنوب البلاد) كيف يمكن للأحادية ونهج الحرب والوحشية الأمريكية والصهيونية، إلى جانب تقاعس الأمم المتحدة ومجلس أمنها، أن تهدد حياة البشر بشكل مباشر.
وفي الوقت نفسه، فإن ما يتعرض له المدنيون في غزة ولبنان قد شكّل تحدياً لضمير البشرية. وإذا لم يتمكن النظام متعدد الأطراف من حماية أرواح البشر وسيادة الدول أمام الحرب والإبادة الجماعية والعدوان، فكيف يمكن الثقة بشرعيته؟ لا ينبغي أن يقتصر ردّنا على إصدار البيانات. نحن بحاجة إلى إصلاح حقيقي للآليات الدولية.
الزملاء الأعزاء؛
من منظور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تقوم الحوكمة الشاملة على أربع ركائز:
أولاً، الاحترام المتساوي لسيادة الدول وتطبيق القانون الدولي دون تمييز؛ فلا ينبغي لأي دولة أن تُستثنى، بسبب قوتها الاقتصادية أو العسكرية، من قواعد ملزمة للآخرين.
ثانياً، إصلاح هياكل الحوكمة العالمية؛ فيجب أن يعكس مجلس الأمن والمؤسسات المالية الدولية حقائق العالم الجديدة والدور الحقيقي لدول الجنوب العالمي.
ثالثاً، تحويل التعددية من شعار إلى فعل؛ من خلال تطوير التجارة بالعملات الوطنية، وتعزيز آليات الدفع المستقلة، وتقوية دور مؤسسات مثل بنك التنمية الجديد في البنية الاقتصادية لنظام عالمي أكثر توازناً.
رابعاً، التصدي العملي والجدي للعقوبات الأحادية؛ فالعقوبات تستهدف في الواقع ليس الحكومات فحسب، بل الشعوب والمرضى والأطفال ومسار تنمية الدول.
أصحاب المعالي؛
أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن الأمن المستدام لم يعد يمكن تعريفه على أساس الأمن للبعض واللاأمن للآخرين. فالأمن المستدام يتحقق عندما تُحترم سيادة الدول، ولا تتمكن أي دولة من استخدام أراضيها لتهديد دولة أخرى ومهاجمتها. وعلينا في البريكس أن نقف أمام تطبيع الهجوم على البنى التحتية المدنية والحيوية. ويجري هذا المبدأ ذاته على المنشآت النووية السلمية أيضاً؛ فيجب أن تبقى هذه المنشآت محصنة أمام الهجوم والتهديد بالهجوم، لأن تعريضها للخطر ليس مسألة تقتصر على بلد واحد، بل هو تهديد مرتبط بالسلام والأمن الدوليين.
سيداتي وسادتي؛
إن قضية فلسطين هي أيضاً اختبار آخر لمصداقية الحوكمة العالمية. فالشعب الفلسطيني يمتلك حق تقرير المصير والعيش بأمان، ولن يتشكل أي حل عادل دون احترام إرادته. ويجب أن تكون مجموعة البريكس صوت العدالة، وأن تؤدي دوراً أكثر فعالية في إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
فخامة الرئيس؛
تدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثلاثة مسارات في مجموعة البريكس: تعزيز التنسيق السياسي بين الأعضاء في الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة وسيادة الدول؛ وتطوير التعاون الاقتصادي والمالي المستقل عن الأدوات الاحتكارية؛ وتعزيز التعاون في مجالات العلم والتقنية والطاقة والأمن الغذائي لصالح جميع الأعضاء، ولا سيما دول الجنوب العالمي.
إن عالم اليوم بحاجة إلى التعاون أكثر من أي وقت مضى، لكن التعاون المستدام لا يمكن تحقيقه دون عدالة. فالتعددية تكون ذات معنى عندما يكون الجميع متساوين أمام القانون، والحوكمة العالمية تكون ذات شرعية عندما يُسمع صوت الدول النامية.
الزملاء الأعزاء؛
ستنجح مجموعة البريكس في متابعة الأهداف المحددة، ولا سيما إقامة نظام دولي قائم على العدالة، بما يمكنه ايضا من التغلب على بعض التحديات داخل المجموعة. فالالتزام بالمبادئ والأهداف الأساسية لهذه المجموعة، وتجنب التأثر بالمسارات والضغوط من خارجها، والصمود أمام العقوبات غير القانونية والظالمة ضد الأعضاء ومقاومتها، وتحويل مجالات التنافس إلى تعاون، وإنشاء نظام، وأخيراً لمعالجة القصور الإدارية، فإن إنشاء أمانة دائمة وتعزيز آليات التنسيق بين الأعضاء أمر ضروري حتى تُنفَّذ القرارات المشتركة بانسجام وسرعة وكفاءة أكبر.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية مستعدة للتعاون في إطار مجموعة البريكس لتحقيق هذه الأهداف. نحن نسعى إلى عالم لا تحل فيه القوة محل القانون، ولا العقوبات محل التعاون، ولا الحرب محل الحوار، ولا الاحتكار محل المشاركة. وهذا هو المعنى الحقيقي للحوكمة العالمية الشاملة والتعددية.
أشكر لكم حسن انتباهكم.