قاليباف: حققنا في المفاوضات أضعاف ما كنا سنحققه بالعمل العسكري
اعتبر رئيس فريق التفاوض الإيراني محمد باقر قالیباف، المفاوضات شكلاً من أشكال الكفاح، وقال: "كل ما كنا نسعى لتحقيقه بالعمل العسكري، حققناه أضعافاً مضاعفة من خلال المفاوضات".
واشار محمدباقر قاليباف، رئيس وفد التفاوض الإيراني، في مقابلة مع التلفزيون الايراني مساء الاربعاء، إلى مسار المفاوضات والفرق بين هذه الجولة من المفاوضات والجولات السابقة، موضحاً: رغم تاريخنا في المفاوضات بعد الثورة، بدءاً من مفاوضات حرب إيران والعراق التي أسفرت عن القرار 598، أو ربما ذكريات المفاوضات النووية والاتفاق النووي ، والآن الجولة الثالثة من المفاوضات التي خضناها في هاتين الحربين الأخيرتين خلال العام الماضي. يمكن القول إن أبعاد هذه الجولة مختلفة لأن الحدث كبير. هذه المفاوضات لا تؤثر فقط على المستوى الإقليمي بل العالمي، ونشهد آثارها الآن.
*هذه الحرب هي حرب التوحيد ضد الاستكبار
وأضاف: إذا نظرنا إلى المفاوضات من حيث الموضوع، فهي أن القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية الأولى في العالم، إلى جانب الكيان الصهيوني الذي يُعتبر قوة نووية في المنطقة ومزودة بأحدث التقنيات، قد أتت وتتفاوض مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. في الواقع، هناك رمزان متقابلان: الروح الاستكبارية من جهة، والروح التوحيدية من الجهة الأخرى.
*إيران هي المنتصرة في هذه الحرب، ولم يحقق الأعداء أيّاً من أهدافهم
وتابع قاليباف: هذه جبهة نزلت الى الساحة بكل معنى الكلمة، وخاضت حرباً شاملة. وعندما ندرس مختلف أبعاد هذه الحرب وندخل إلى ميدان العمل، تظهر نقاط مثيرة للاهتمام للغاية.
*الجبهات الأربع للحرب اليوم متلازمة
وأكد رئيس المجلس: لقد حققنا النصر على أمريكا والكيان الصهيوني. وعلى الرغم من أن هذين النظامين يعتبران نفسهما أقوى القوى في العالم في المجال العسكري ولديها معايير متعددة لإثبات هذا الادعاء، إلا أننا لم نسمح لهما بتحقيق أي من الأهداف التسعة التي أعلناها بنفسهما لبدء الحرب. لقد أظهرت هذه الحرب بوضوح أبعاداً مختلفة ربما لم تحظ بالاهتمام الكافي.
وأشار رئيس وفد التفاوض الإيراني إلى الدفاع المستمر لمدة ثماني سنوات (1980-1988)، قائلاً: في فترة الدفاع المقدس، كان الشعب حاضراً، لكن بشكل رئيسي في دور الدعم والمساعدة المادية. وكانت أجواء الحرب والجبهات تقتصر بشكل كبير على المناطق الجغرافية للجبهة والخلفية، ولم تتأثر بقية البلاد بشكل مباشر بتلك الأجواء.
وأوضح قاليباف، مشيراً إلى أننا نواجه اليوم أربعة ميادين ، قائلاً: الميدان الأول هو الميدان العسكري، حيث تتقدم قواتنا المسلحة بحكمة وشجاعة وتضحية عالية، وتؤدي واجبها بأفضل شكل ممكن. الميدان الثاني هو ميدان حضور الناس في الشوارع، وما زالوا حاضرين في المدن والقرى حتى اليوم. وهذا ما قاله قائد الثورة الإسلامية في أحد عشر يوماً قبل استشهاده، حينما قال: إننا لو لم نكن أيضاً، فأنتم الأمة الناهضة، واليوم رأينا أن الأمة خرجت حقاً إلى الميدان وما زالت مستمرة.
واعتبر قاليباف الميدان الثالث هو ميدان الدبلوماسية، والميدان الرابع هو ميدان الخدمة، وقال: منذ بداية الثورة حتى اليوم، ربما كانت هناك نماذج من هذا الحضور الفعال في انتصار الثورة، لكن هذا الحضور لا نظير له. هذه الميادين الأربعة اليوم تعمل جنباً إلى جنب، وكما يقال اليوم، مثل فريق كرة قدم، يتناوبون في التمرير؛ فمن يقف في خط الدفاع يعرف مهمته جيداً، ومن في خط الوسط يعرف بالضبط ما يفعل، ومن في خط الهجوم يؤدي واجبه بشكل صحيح عند التمرير. وإذا سألتم عن الفرق، فيجب القول إن هذه الجبهات الأربعة والميادين الأربعة تتقدم اليوم بتناغم وفعالية جنباً إلى جنب.
وتابع رئيس المجلس: راية محاربة القوة والظلم والسلوك العنيف للنظام الاستكباري الأمريكي والكيان الصهيوني الإجرامي، هي الآن في كل لحظة وكل يوم وكل أسبوع في يد أحد هذه الميادين، وهذه الميادين، بتعاونها مع بعضها البعض، تخيط ثوب الفوز الجميل لإيران الإسلامية. وهذا فخر لأمتنا أن نشهد هذا التناغم غير المسبوق، ولا أعلم إن كان هناك مثل هذا المستوى من التماسك والتناغم في تاريخ الثورة.
وأضاف قاليباف، مشيراً إلى أن هذا التناغم والتماسك ينبع من العقلانية والقوة والتعريفات الواضحة التي يؤدي كل منها دوره بشكل صحيح: عندما نتحدث عن الدبلوماسية والمفاوضات، فإننا لا نعتبرها تراجعاً، بل دبلوماسية قائمة على القوة. وفي فترة الاتفاق النووي أيضاً، قلت بوضوح إنني لا أعارض أصل المفاوضات، بل أوافق على النوع الذي يعمل كأسلوب للنضال.
*في هذه المفاوضات لا أثر للضعف
أكد رئيس وفد التفاوض الإيراني أن الفارق الجوهري بين هذه الفترة والفترات السابقة هو أن ميدان النصر قد اصبح واضحا للعدو والصديق، وكذلك لأمتنا. فقواتنا المسلحة، على الرغم من أنها لا تقارن بعددها وعدتها مع العدو الإجرامي المتغطرس المدجج بالمعدات والتكنولوجيا والإمكانات، إلا أنها ببركة حضور هذه الأمة الناهضة وإيمانها الراسخ بالسُنن الإلهية، التي تقوم جميعها على العقلانية والقوة، تمكنت من إظهار روعة لا نظير لها من القوة.
وقال قاليباف: إن العقلانية الإيرانية تظهر نفسها بشكل متكامل، والقوة الإيرانية إلى جانبها تخيط ثوب النصر لهذه الأمة الشجاعة، وهذا الفخر يأخذ شكلاً أكثر اكتمالاً يوماً بعد يوم. لذا، في المفاوضات التي تعتبر نفسها أسلوباً للنضال، لا أثر للضعف ولا للشعارات الخاوية. لأن الشعار إذا أطلق مرة أو مرتين من دون ان يستند الى قوة حقيقية، يكتشفه العدو تدريجياً ولا يراه سوى تهديد فارغ وكلام أجوف؛ ونتيجة لذلك، لا يخيفه ، بل يزيد من جرأته ووقاحته.
وأشار رئيس مجلس الشورى الإسلامي إلى التطورات في الخليج الفارسي، فقال: في الوقت الذي كان فيه وقف إطلاق النار الذي طلبه العدو قائماً، شهدنا في الخليج الفارسي أحداثاً كان آخرها حادثة المروحية الأمريكية. رأيتم مراراً أنهم قاموا بأعمال ورددنا عليها فوراً؛ على سبيل المثال، الفرقاطتان اللتان تعرضتا للقصف وحاولوا إنكار ذلك، لكن تبين لاحقاً أن الإصابة كانت دقيقة. حتى تحليقاتهم من مطارات دول أخرى مثل الأردن تعرضت للقصف. وقد حدث ذلك بينما كنا في خضم المفاوضات أيضاً.
*عندما نتحدث عن المفاوضات، فإن سيفنا جاهز
وأوضح قاليباف، مشيراً إلى أننا مع جبهة المقاومة في مواجهة أمريكا والكيان الصهيوني: عندما يتم وقف إطلاق النار، يجب أن يشمل كل هذه الجبهة، وخاصة لبنان. وأغتنم هذه الفرصة لأشكر جميع الشعب اللبناني العزيز، وخصوصاً الشيعة وحزب الله في لبنان، على خروجهم إلى الميدان في وجه العدوان الأمريكي والصهيوني، وتقديمهم أكثر من أربعة آلاف شهيد. ويجب القول إننا كنا تحت النار لمدة 38 أو 40 يوماً، بينما كانوا هم تحت النار لمدة 103 أيام وقدموا الشهداء.
وأشار قاليباف إلى الهجمات على لبنان خلال المفاوضات، وقال: في المفاوضات ، وجّهنا إنذاراً نهائياً، وكان ذلك حوالي الساعة الثانية عندما غرّد ترامب قائلاً للكيان الصهيوني إنه يجب عليهم وقف إطلاق النار، وليس لديهم الحق بعد الآن في قصف الضاحية. وهنا، من خلال المفاوضات التي كنا نخوضها، أجبرناهم على قبول ذلك، وهذا بلا شك كان بفضل قوتنا العسكرية. ومثال آخر هو الهجوم الذي ردّدنا عليه فوراً بعملية. وواصلنا العمليات مرتين حتى يدرك العدو أنه عندما نتحدث عن المفاوضات، فإن سيفنا جاهز أيضاً.
*ما كنا نريد تحقيقه بالهجوم العسكري حققناه أضعافاً مضاعفة عبر الدبلوماسية
وقال قاليباف: حتى عندما كنا نتجه نحو الاتفاق النهائي، قلت لهم إنه من المستحيل ألا نرد. كان زملاؤنا في القوات المسلحة مستعدين، واتخذت القيادة تدابيرها. كانوا يقولون (الطرف الاخر) لا تضربوا، لكنني قلت سنضرب حتماً، وعليكم أن تنتبهوا إلى عدم الرد، لأنكم إذا رددتم فسنضرب المنطقة. هذه هي الثقافة السائدة في المفاوضات كأسلوب للنضال.
وأكد رئيس المجلس أن كل ما كنا نريد تحقيقه بالهجوم، حققناه أضعافاً مضاعفة عبر المفاوضات، وحصلنا على امتيازات كثيرة مقابل عدم الرد، وقال: رأيتم كيف أن ترامب، أعلن وقف إطلاق النار حتى الساعة الثانية فجراً، ليس فقط في الضاحية بل في كل لبنان، وتحدث بتلك اللهجة مع نتنياهو. هذا يعني أن المفاوضات هي أسلوب للنضال.
واضاف: كنت تلك الليلة على اتصال مع زملائنا في الميدان العسكري وقلت لهم استعدوا، لكن حدث ما أعاد الأمن، وفي تلك الليلة رأيتم أن أكثر من 50% من النازحين عادوا إلى منازلهم. هذه هي قوة المفاوضات كأسلوب للنضال.
وقال: استناداً إلى التفاهمات التي وقعناها، تم تحديد جدول زمني لرفع الحصار مدته 30 يوماً، وأعلن ترامب، في الاتفاق الذي سيتم توقيعه نهائياً، رفع الحصار في تلك الليلة ذاتها. وهذا امتياز تحقق عبر المفاوضات وعدم الرد.
*إيران والثورة مصدر فخر للعالم الإسلامي
وشدد قاليباف على أن إيران والثورة أصبحتا مصدر فخر للعالم الإسلامي، وقال: في حديثي مع نبيه بري، قال إن الشعب اللبناني من جميع الطوائف والأديان والمذاهب، يرى هذه القوة عزّة للمجتمع الإسلامي وأحرار العالم. وقد وصلتنا رسالة تقدير وشكر من سماحة الشيخ نعيم قاسم موجهة لكم، وهذا من لطفه، لكن في الحقيقة هذا الشكر موجه إلى القيادة العظيمة، وهذه الأمة الغيورة والعزيزة، والقوات المسلحة التي قدّمت الدماء وصمدت في هذا الطريق.
وأضاف: كل حرب، حتى لو انتهت بالنصر، طالما لم تفض إلى وثيقة قانونية وسياسية محددة، فإن تلك الانتصارات لا تُسجّل ولا تعود بأي فائدة؛ فلا تخلد في التاريخ ولا تستقر مكاسبها. واليوم، واجب الميادين هو اتمام هذه المكاسب. نحن الآن حققنا النصر في حرب الأربعين يوماً، لكن السؤال هو: ما هو مكسبها؟ هذا المكسب يتشكل في المفاوضات.